محمد جواد مغنية
24
في ظلال نهج البلاغة
إلى تفرده تعالى في الجلال والكمال فجائز قطعا ، وراجح عقلا وشرعا ، وإلا فبأي شيء نتوسل اليه تعالى ، ونثني عليه ( فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه ) . أي من وصف اللَّه بالعالم والقادر ونحوهما ، وأراد الصفة التي هي غير الموصوف فقد جعل له قرينا ، ومعنى القرين الصاحب ، وليس للَّه صاحب ولا صاحبة قال الإمام ( ع ) : وبمضادته بين الأمور عرف ان لا ضد له ، وبمقارنته بين الأشياء عرف ان لا قرين له . ( ومن قرنه فقد ثنّاه ) . أي جعله اثنين ، وواجب الوجود واحد ( ومن ثناه فقد جزأه ) . يقال : جزّأه تجزئة إذا قسمه . . والأزلي الأبدي لا ينقسم . . بالإضافة إلى أن القسمة تتنافى مع الكمال المطلق . ( ومن جزأه فقد جهله ) . لأنه قال على اللَّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ( ومن جهله فقد أشار اليه ، ومن أشار اليه فقد حده ) . المراد بالإشارة هنا التشخيص ، وهذا من باب التعبير باللازم وإرادة ما لا ينفك عنه هذا اللازم ، لأن كل ما يمكن تشخيصه بحدوده وقيوده يمكن الإشارة اليه حسيّا كان أم عقليا ، تقول : هذا فلان ، وتقول : هذه نظرية صحيحة أو باطلة ، والمراد بالحد منتهى الشيء وأطرافه ، وليس المراد به التحديد باصطلاح أهل المنطق . والمعنى ان الجاهل يشخّص اللَّه في ذهنه حسبما يتوهم ويتصور ، ولازم هذا ان للَّه حدودا وقيودا ينتهي عندها ولا يتجاوزها ، ولذا قال الإمام الباقر ( ع ) : « كل ما وقع عليه وهمك من شيء ، فاللَّه خلافه » ذلك ان اللَّه تعالى ليس من شأنه أن يشخصه عقل ، ويدركه وهم ، وقد تكرر هذا المعنى في كلمات آل البيت ( ع ) من ذلك : « لا صورة له في الأذهان : ولا شبيه له في الأعيان . . تفكروا في الخلق ، لا في الخالق » . ( ومن حده فقد عده ) . أي أحصاه وأحاط به . . والعقل بما فيه من قوة وطاقة لا يكشف للانسان عن نفسه وحقيقته ، ولا يدرك كل ما في النملة والبعوضة من خصائص وغرائز باعتراف العلماء فضلا عن المجرات وغيرها من الكائنات ، واذن كيف يحيط العقل بمن لا بداية له ولا نهاية : « ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء - 255 البقرة » . وأقصى ما تتصوره العقول عن ذاته تعالى انها فوق التصور . ومن أدرك هذه الحقيقة ، ثم مر بخياله صورة للَّه تعالى من